يناقش بيتر بومونت الجدل القانوني المتصاعد حول الضربات الأمريكية على البنية التحتية المدنية في إيران، ويستعرض آراء خبراء القانون الدولي الذين يرون أن هذه الهجمات قد ترقى إلى جرائم حرب وفق قواعد القانون الإنساني الدولي.
تنقل صحيفة “الجارديان” هذا النقاش، مسلطة الضوء على التصريحات الأمريكية، وردود الفعل الحقوقية، والإطار القانوني الذي يحكم استهداف المنشآت المدنية خلال النزاعات المسلحة.
تصعيد الخطاب واستهداف البنية المدنية
لوّح دونالد ترامب في خطاب متلفز بضرب منشآت توليد الكهرباء في إيران إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق معه، مهددًا بإعادة البلاد إلى “العصور الحجرية”. ولم يكتفِ بالتصريحات، بل نشر لاحقًا صورًا لضربة استهدفت جسرًا قرب طهران، مع تحذير من عمليات إضافية.
تعكس هذه التصريحات توجّهًا واضحًا نحو استهداف البنية التحتية المدنية، وهو ما أثار قلقًا واسعًا بين خبراء القانون الدولي. اعتبرت إريكا جيفارا روساس، من منظمة العفو الدولية، أن استهداف منشآت مثل محطات الكهرباء يُحظر عمومًا، حتى إذا اكتسبت صفة عسكرية جزئية، لأن الضرر الذي يصيب المدنيين يكون غير متناسب.
أشارت إلى أن هذه المنشآت تلعب دورًا أساسيًا في حياة ملايين المدنيين، وأن ضربها قد يؤدي إلى انتهاك صريح للقانون الإنساني الدولي.
الإطار القانوني وحدود الاستهداف
يستند القانون الدولي إلى مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية، حيث يحظر استهداف المنشآت المدنية ما لم تسهم بشكل مباشر في العمليات العسكرية. تنص اتفاقيات جنيف على حماية الأعيان المدنية، وتُجرّم الهجمات التي لا تحقق ميزة عسكرية واضحة.
أكد أكثر من مئة خبير قانوني من جامعات أمريكية مرموقة أن سلوك القوات الأمريكية وتصريحات مسؤوليها تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات محتملة، بما في ذلك جرائم حرب. أشار هؤلاء إلى هجمات أصابت مدارس ومرافق صحية ومنازل، من بينها ضربة استهدفت مدرسة في طهران وأسفرت عن مقتل عدد كبير من الأطفال والمعلمين.
حتى في الحالات التي تُصنّف فيها منشأة مدنية كهدف عسكري، يفرض القانون الدولي مبدأ التناسب، الذي يلزم المهاجم بتقييم حجم الضرر المتوقع على المدنيين مقارنة بالفائدة العسكرية.
تحذيرات حقوقية وتداعيات إنسانية
حذّرت منظمات حقوقية من أن استهداف البنية التحتية الأساسية سيؤدي إلى آثار مدمرة على السكان، بما في ذلك انقطاع الكهرباء عن المستشفيات وشبكات المياه. أكدت سارة ياجر من “هيومن رايتس ووتش” أن هذه الهجمات قد تشل الحياة اليومية، وتفاقم معاناة المدنيين.
أشار خبراء إلى أن تصريحات ترامب، التي تتحدث عن إعادة إيران إلى “العصور الحجرية”، تعكس نية لاستهداف مقومات الحياة المدنية، وليس فقط القدرات العسكرية، وهو ما يتعارض مع شروط الاستهداف المشروع في النزاعات.
في السياق نفسه، حذرت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر من تصاعد الهجمات على البنية التحتية الحيوية، مؤكدة أن الحرب على هذه المنشآت تعني عمليًا حربًا على المدنيين، وقد ترقى إلى جرائم حرب.
سوابق تاريخية ومخاطر متزايدة
لم تعد هذه الإشكالية جديدة، إذ شهدت حروب سابقة هجمات مشابهة على البنية التحتية، مثل حرب الخليج عام 1991، والهجمات على منشآت الطاقة في صربيا. لكن القواعد القانونية تطورت منذ ذلك الحين، وأصبحت أكثر وضوحًا في حماية المدنيين.
رغم ذلك، تثير التطورات الحالية مخاوف من تراجع الالتزام بهذه القواعد، خاصة مع تصاعد الخطاب السياسي الذي يقلل من أهمية القيود القانونية. يرى خبراء أن هذه التصريحات قد تشجع على تجاوز الضوابط العسكرية، وتفتح الباب أمام انتهاكات أوسع.
تكشف هذه المرحلة عن توتر عميق بين الأهداف العسكرية والاعتبارات الإنسانية، حيث يختبر الصراع حدود القانون الدولي. ومع استمرار الضربات، تتزايد المخاوف من تحول استهداف البنية التحتية إلى نهج ممنهج، بما يحمله ذلك من تداعيات إنسانية وقانونية خطيرة.

